النجف مدينتي: انت الان تشاهد النجف اليوم لحضة بلحضة
  • img

ألغام في حرم التعليم العالي.. مخصصات الخدمة الجامعية وأزمة «سيادة القانون»

يناير 23, 2026

في الوقت الذي تسعى فيه الدول المتقدمة لتحصين مؤسساتها التعليمية من هزات الاقتصاد، باعتبارها «خط الدفاع الأخير» عن مستقبل الأمم، يشهد المشهد العراقي مفارقة غريبة تتمثل في توجيه بوصلة التقشف الحكومي نحو جيوب موظفي الجامعات والأكاديميين، في خطوة تبدو أقرب إلى «الانتحار المؤسساتي» منها إلى الإصلاح المالي.الجدل الذي أثارته التوجيهات الأخيرة لوزارة المالية والمجلس الوزاري للاقتصاد، القاضية بإلغاء مخصصات الخدمة الجامعية عن الملاكات الإدارية والفنية، وتقييدها بشروط مجحفة للتدريسيين، يتجاوز في جوهره مسألة «الراتب»، ليطرح إشكاليات قانونية وبنيوية عميقة لا يمكن للمراقب المنصف تجاوزها.الإشكالية الأولى: انتهاك «قدسية التشريع»لعل أخطر ما في هذه القرارات ليس أثرها المالي فحسب، بل أثرها القانوني. فمخصصات الخدمة الجامعية لم تأتِ بمنحة وزارية عابرة، بل شُرعت بموجب «قانون الخدمة الجامعية رقم (23) لسنة (2008)». وفي أبجديات الدولة الدستورية، لا تملك السلطة التنفيذية (ممثلة بالحكومة أو وزارة المالية أو المجلس الوزاري للاقتصاد) صلاحية إلغاء أو تعطيل نص ورد في قانون صادر عن السلطة التشريعية (البرلمان). إن مبدأ «تدرج القوانين» يفرض أن القانون لا يُلغيه إلا قانون مماثل، وما يجري اليوم هو سابقة خطيرة تؤسس لعرف إداري يجيز للقرارات الوزارية القفز فوق التشريعات البرلمانية، وهو ما ينسف مفهوم «دولة المؤسسات».الإشكالية الثانية: صلاحيات «حكومة تصريف الأعمال» يثور تساؤل دستوري مشروع حول توقيت هذه القرارات. فهل يحق لحكومة «تصريف أمور يومية»، وفق المادة (64) من الدستور، أن تتخذ قرارات استراتيجية تمس الهيكلية المالية المستقرة لمئات الآلاف من الموظفين؟ المنطق الدستوري وقرارات المحكمة الاتحادية تشير إلى أن مهام هذه الحكومة تقتصر على ديمومة الوضع العام، لا «التلاعب» بالوضع المالي للأسر العراقية بقرارات ارتجالية قد تُبطل قضائياً في أي لحظة.الإشكالية الثالثة: تفكيك «الجسد الجامعي»ينطلق صانع القرار المالي من نظرة قاصرة تفصل بين «الأكاديمي» و«الإداري»، متناسياً أن الجامعة منظومة بيئية متكاملة. فالموظف الإداري والفني في المختبرات، والتسجيل، والمكتبات، والاقسام الداخلية، هو العصب الذي يحرك العملية التعليمية. إن حرمان هذه الشريحة من حقوقها المكتسبة، ومساواتها بقطاعات لا تحمل ذات الخصوصية والخطورة المهنية، هو دعوة صريحة لإفراغ الجامعات من كوادرها الساندة، وتعطيل عجلة البحث العلمي التي لا تدور بجهد التدريسي وحده.الإشكالية الرابعة: ازدواجية المعايير «العدالة العرجاء»من المعيب أخلاقياً واقتصادياً أن يبدأ مشرط الإصلاح المالي بقطع أرزاق الموظف الذي يقتات على راتب وظيفي واحد، بينما تقف الجهات ذاتها عاجزة أمام ملف «الرواتب المزدوجة» الذي يستنزف ميزانية الدولة؛ إذ يتقاضى البعض أكثر من راتب (تقاعدي وسياسي) في آن واحد خلافاً لمبادئ العدالة الاجتماعية، فضلاً عن استمرار امتيازات الدرجات الخاصة والرواتب المليونية لمن يقيمون خارج البلاد. إن تطبيق التقشف بصرامة على صغار الموظفين، وغض الطرف عن «ازدواجية الرواتب» وكبار المنتفعين، ليس إصلاحاً، بل هو «تمييز طبقي» يهدد السلم الأهلي.الإشكالية الخامسة: استنزاف الكفاءات وقتل الحافزإن استهداف الشريحة المثقفة في أرزاقها هو رسالة «تنفير» مبطنة. فعندما يتساوى العائد المادي للموظف الجامعي والمثابر مع مهن لا تتطلب تحصيلاً علمياً أو جهداً نوعياً، فإن الدولة تضرب «نظام الحوافز» في مقتل. هذا القرار سيدفع الكفاءات الإدارية والعلمية إما إلى الهجرة خارج البلاد، أو الهروب نحو القطاع الخاص، مما سيحيل مؤسسات الدولة التعليمية إلى هياكل خاوية من العقول المدبرة.الخلاصةإن الحراك الاحتجاجي الذي تشهده الجامعات العراقية اليوم، والتلويح بالإضراب الشامل، ليس مجرد مطالبة فئوية بزيادة راتب، بل هو «جرس إنذار» مبكر. فالدول التي تحترم مستقبلها لا تعالج عجز موازنتها بقطع أرزاق من يبنون عقول أبنائها.إن الكرة اليوم في ملعب مجلس النواب العراقي، بصفته الحارس للتشريعات، للتدخل الفوري وإيقاف هذا التجاوز، ليس انتصاراً للموظفين فحسب، بل انتصاراً لهيبة القانون التي باتت مهددة بكتب رسمية وقرارات انفعالية.مصطفى فاضل

مصطفى فاضل

لمزيد من التفاصيل حمل المرفقات
شارك المقال