النجف مدينتي: انت الان تشاهد النجف اليوم لحضة بلحضة
  • img

تراثنا الحديثي الإسلامي بين أزمتين

يناير 21, 2026

يُعدّ التراث الحديثي من أهم المرتكزات التي أسهمت في تشكيل الوعي الديني والتشريعي في الإسلام، إذ تمثّل السنّة النبوية – أو ما نُسب إلى المعصومين (عليهم السلام) – المصدر الثاني في بناء المنظومة العقدية والفقهية والأخلاقية. غير أن هذا التراث، على الرغم من محوريته، لم يتشكّل في فراغ، بل تبلور ضمن سياقات تاريخية واجتماعية وثقافية معقّدة، انعكست آثارها بوضوح على آليات نقله، وطرائق تدوينه، ومناهج التحقّق من مضامينه.وانطلاقًا من ذلك، فإن مقاربة التراث الحديثي مقاربةً علميةً رصينة تقتضي النظر إليه بوصفه نتاجًا تاريخيًا مرتبطًا بشروط إنتاجه، لا مجرد نصوص معزولة عن بيئاتها وظروف تشكّلها. وعند التأمل في المسارين السني والشيعي، يبرز أن كليهما واجه أزمات حقيقية، اختلفت في مظاهرها، لكنها تشابهت في نتائجها وآثارها المعرفية. وفيما يأتي محاولة لقراءة هاتين الأزمتين قراءة تحليلية هادئة، بعيدة عن الأحكام المسبقة والمقاربات السجالية.

أولًا: أزمة التراث الحديثي السني(من هيمنة النقل الشفهي إلى إشكالية التدوين المتأخر)نشأ التراث الحديثي السني في بيئة غلب عليها النقل الشفهي، حيث كان الاعتماد الأساس في حفظ السنّة وتداولها قائمًا على الذاكرة والسماع المباشر، لا على التدوين المنهجي المنظم. وقد انسجم هذا الأسلوب مع طبيعة المجتمع في القرن الأول الهجري، إذ لم يكن التدوين آنذاك ممارسة شائعة أو أداة مركزية في حفظ المعرفة.غير أن هذا الاعتماد الطويل على الرواية الشفوية أفضى إلى جملة من النتائج الطبيعية، أبرزها تعدد صيغ الحديث الواحد، واختلاف ألفاظه باختلاف الرواة، وتفاوت مستويات الضبط والدقة من راوٍ إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى. ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية، وتباعد الأمصار، ودخول جماعات جديدة في الإسلام، ازدادت هذه الإشكالات تعقيدًا ووضوحًا.وعندما بدأ تدوين الحديث بصورة أوسع في القرن الثاني الهجري، جاء ذلك استجابةً لحاجة ملحّة فرضها الواقع، وفي ظل اعتبارات سياسية واجتماعية محددة. ونتيجة لهذا التأخر، انتقلت مادة حديثية واسعة من حيّز التداول الشفهي إلى التدوين بعد مرور أجيال متعاقبة، الأمر الذي فتح المجال لظهور روايات متعارضة في الظاهر، واختلافات في الألفاظ، بل وأحيانًا في الدلالات والمعاني.وأمام هذا الواقع، طوّر علماء الحديث من أهل السنّة منظومة علمية دقيقة، تمحور أساسها حول الإسناد، فبرز علم الرجال، والجرح والتعديل، والاهتمام البالغ بسلاسل النقل، حتى غدا الإسناد العمود الفقري للمنهج الحديثي السني. ولم يكن هذا التركيز خيارًا معرفيًا مجردًا، بل محاولة واعية لمعالجة آثار التأخر في التدوين، وضبط النص من خلال الثقة بالناقل أكثر من الاعتماد على الكتاب.ورغم ما حققه هذا المنهج من إنجازات كبيرة في حفظ جانب واسع من السنّة، فإن آثار المرحلة الشفهية الطويلة بقيت حاضرة في خلفية النص الحديثي، متمثّلة في احتمالات النسيان والوهم والتصحيف، فضلًا عن التأثر بالتحولات السياسية والمذهبية التي رافقت مسار الرواية في بعض مراحله. كما أن تسرب الإسرائيليات، وظهور الروايات الموضوعة، كان نتيجة طبيعية لمرحلة منع تدوين الحديث التي استمرت قرابة قرن من الزمن، إلى جانب كثرة الوضّاعين والمدلّسين، ودور القصّاصين في ترويج بعض الروايات المسيئة.ثانيًا: أزمة التراث الحديثي الشيعي(إشكالية النقل الكتابي وفقدان الأصول)على خلاف التجربة السنية، يتميّز التراث الحديثي الشيعي ببدء التدوين في مرحلة مبكرة نسبيًا، وبتشجيع مباشر من الأئمة (عليهم السلام) لأصحابهم على كتابة الحديث وتدوينه، فيما عُرف لاحقًا بـ«الأصول الأربعمائة».

وقد أسهم ذلك في ترسيخ تقليد كتابي لنقل الحديث منذ القرنين الأول والثاني الهجريين، الأمر الذي يُفترض أنه خفّف من إشكالات النقل الشفهي.غير أن الأزمة في هذا المسار لم تكمن في أصل التدوين، بل في المراحل اللاحقة من تداول تلك المصنفات. فقد تعرّضت الأصول الحديثية الأولى، عبر القرون، لعمليات نسخ ونقل متكررة، جرت في كثير من الأحيان في ظروف لم تكن منضبطة علميًا أو نصيًا. ومع مرور الزمن، فُقد عدد كبير من تلك الأصول، ولم يصلنا مضمونها إلا عبر كتب جامعة ومتأخرة نسبيًا، مثل الكتب الأربعة.وقد جعل هذا الفقدان للأصول المباشرة عملية التحقق من النص الأصلي مسألة بالغة التعقيد، ولا سيّما في ظل تشابه أسماء الرواة، وتقارب الخطوط القديمة، واختلاف النسخ في الضبط والترتيب، فضلًا عن وقوع التصحيف والتحريف في بعض الأسانيد والمتون. وكان ذلك نتيجة طبيعية للصعوبات التي أحاطت ببيئة تدوين النص، من قلّة المشتغلين بالكتابة، وندرة أدواتها، كتوفر الورق وأدوات التدوين، فضلًا عن الظروف المعيشية القاسية التي عانى منها الرواة في القرون الأولى.وقد أدّت هذه العوامل مجتمعة إلى ارتفاع احتمالات التصحيف والتحريف، إلى جانب وقوع سهو القلم من قِبل النُّسّاخ، بل وحتى بعض المحدّثين في مراحل لاحقة.

خلاصة من خلال هذا العرض، يتّضح أن التراث الحديثي، السني والشيعي، واجه أزمتين مختلفتين في المظهر، متقاربتين في الجوهر. فأزمة التراث السني نشأت أساسًا من هيمنة النقل الشفهي وتأخر التدوين، في حين تمثّلت أزمة التراث الشيعي في فقدان الأصول الأولى، والاعتماد على نقل كتابي متأخر تعرّض، عبر الزمن، لمشكلات التصحيف والتحريف. وهو ما يفرض اليوم ضرورة مقاربة هذا التراث بوعي تاريخي ومنهج نقدي متوازن، يحفظ مكانته، ويكشف في الوقت نفسه عن تعقيد مسارات تشكّله.

الكاتب

الدكتور علي جعفر الرماحي.

لمزيد من التفاصيل حمل المرفقات
شارك المقال